منازعات المقاولات

مشاكل عقود المقاولات أمام القضاء: أكثر النزاعات تكرارًا وكيف تُحسم

بقلم عبدالله الرحيميسبتمبر ٢٠٢٦قراءة ٩ دقائق

عقد المقاولة من أكثر العقود إنتاجًا للنزاعات؛ لطول مدّته، وتعدّد أطرافه، وتداخل الجانب الفني بالجانب القانوني فيه. ونظام المعاملات المدنية أفرد لعقد المقاولة فصلًا خاصًا نظّم فيه التزامات المقاول وربّ العمل، وضمان المقاول والمهندس للعيوب، وأحكام إنهاء العقد — إلى جانب ما تحويه العقود النموذجية (كعقود الفيديك) من تفاصيل.

فيما يلي أكثر المنازعات تكرارًا في هذا الباب، وكيف تتعامل معها المحاكم عمليًا.

١. الأعمال الإضافية والتغييرات

أكثر النزاعات شيوعًا على الإطلاق. المقاول ينفّذ أعمالًا خارج النطاق بطلب شفهي من المالك أو مهندسه، ثم يُفاجأ عند المطالبة بالإنكار أو بالتمسّك بشرط «لا أعمال إضافية إلا بأمر تغيير مكتوب».

القضاء ينظر إلى أمرين: هل الأعمال نُفّذت فعلًا وانتفع بها المالك؟ وهل ثبت أنّها بطلبه أو بعلمه ورضاه؟ فإذا ثبت الانتفاع والعلم، اتّجه القضاء غالبًا إلى إلزام المالك بقيمتها — ولو بتقدير الخبير — حتى مع غياب أمر التغيير المكتوب، تأسيسًا على قواعد الإثراء بلا سبب. لكنّ هذا الطريق أطول وأشقّ وأقلّ ضمانًا من أمر التغيير الموقّع.

نصيحة عملية: لا تبدأ عملًا إضافيًا قبل توثيقه كتابةً، ولو برسالة بريد إلكتروني تصف العمل وقيمته وأثره على المدة، ويردّ عليها المالك بالموافقة. رسالة واحدة تُغني عن سنة من الخبرة.

٢. التأخير وتمديد المدة

التأخير قد يكون من المقاول، أو من المالك (تأخّر تسليم الموقع، تأخّر الاعتمادات والمستخلصات، تغيير التصاميم)، أو لسبب خارج عن إرادة الطرفين. والسؤال القضائي هو: من تسبّب في التأخير؟ وبأي قدر؟

وأغلب الأحكام في هذا الباب تُبنى على الجدول الزمني المعتمد وسجلّات الموقع والمراسلات. فالمقاول الذي أشعر المالك في حينه بأسباب التأخير وطلب التمديد كتابةً يقف في موقف قوي، أمّا الذي سكت ثم أثار كل ذلك بعد المطالبة بالغرامة فيصعب عليه إثبات ما يدّعيه. وقد أفردنا لغرامات التأخير مقالًا مستقلًا لأهميتها.

٣. العيوب في التنفيذ والضمان العشري

يلتزم المقاول بتنفيذ العمل وفق الأصول الفنية والمواصفات، ويُسأل عن العيوب الظاهرة عند التسليم ما لم يقبلها المالك دون تحفّظ، وعن العيوب الخفية التي تظهر لاحقًا.

وأبرز ما في هذا الباب الضمان العشري: يضمن المقاول والمهندس المشرف — بالتضامن — ما يحدث خلال عشر سنوات من تهدّم كلي أو جزئي في المباني والمنشآت الثابتة، أو من عيوب تهدّد متانتها وسلامتها، وهو ضمان يتعلّق بالنظام العام فلا يجوز الاتفاق على الإعفاء منه مقدّمًا. وتُنظَر هذه الدعاوى بالاستعانة بالخبرة الهندسية حتمًا، ويكون السؤال المحوري: هل العيب في التصميم، أم في التنفيذ، أم في المواد، أم ناتج عن سوء الاستخدام أو تعديلات أدخلها المالك لاحقًا؟

٤. فسخ العقد والانسحاب من المشروع

يلجأ المالك أحيانًا إلى فسخ العقد وسحب المشروع بحجّة تباطؤ المقاول، ويلجأ المقاول أحيانًا إلى إيقاف العمل بحجّة عدم الصرف. وفي الحالتين يقع الطرف المُنهي في خطأ إجرائي شائع: الإنهاء دون إعذار.

فالأصل أنّ الفسخ لإخلال الطرف الآخر يستلزم إنذاره ومنحه مهلة معقولة لتدارك الإخلال، ما لم يتّفق الطرفان على غير ذلك صراحةً. والفسخ غير المسبوق بالإعذار قد يُعدّ هو ذاته إخلالًا يستوجب التعويض. وإذا كان العقد يُجيز للمالك الإنهاء لمصلحته (دون خطأ من المقاول)، فيلتزم بتعويض المقاول عمّا أنفقه وعمّا فاته من كسب معقول.

وعند الفسخ تُثار مسألة تصفية الحساب: قيمة ما نُفّذ، والمواد المورَّدة للموقع، وتكلفة إكمال المشروع بمقاول بديل، والفرق بينهما. وهذه التصفية لا تتمّ عمليًا إلا بمحضر جرد مشترك أو بخبرة هندسية.

٥. الخبرة الهندسية: ساحة المعركة الحقيقية

في أغلب منازعات المقاولات لا يحسم القاضي النزاع بنفسه، بل يحيله إلى خبير هندسي يحصر الأعمال ويقدّر قيمتها ويحدّد أسباب التأخير والعيوب. ولهذا فإنّ مرحلة الخبرة هي التي يُربح فيها النزاع أو يُخسر، ويجب التعامل معها بجدّية:

٦. مقاول الباطن والمسؤولية المتسلسلة

مقاول الباطن لا تربطه علاقة تعاقدية مباشرة بالمالك، فلا يطالبه مباشرة بمستحقّاته إلا في حدود ما هو مستحق للمقاول الرئيسي في ذمّة المالك، وبشروط. وفي المقابل يبقى المقاول الرئيسي مسؤولًا أمام المالك عن أعمال مقاولي الباطن كأنّها أعماله. وهذه الحلقة الثلاثية تنتج نزاعات مركّبة يجب التخطيط لها منذ صياغة عقد الباطن: ربط الصرف، وآلية الاستلام، وتحديد جهة الاختصاص.

ما الذي يقلّل احتمال النزاع؟

  1. عقد مكتوب بنطاق واضح وجدول كميات ومواصفات وجدول زمني معتمد.
  2. آلية أوامر تغيير مكتوبة وسريعة، وتُطبَّق فعلًا.
  3. توثيق يومي للموقع: تقارير، صور مؤرّخة، محاضر اجتماعات.
  4. إشعارات كتابية فورية عند أي حدث يؤثّر على المدة أو التكلفة.
  5. مراجعة قانونية للعقد قبل التوقيع، لا بعد نشوء النزاع.

هذا المقال محتوى تعريفي عام لا يُغني عن الاستشارة القانونية المتخصّصة، ولا يُنشئ علاقة مهنية بين القارئ والشركة. الأنظمة ولوائحها قابلة للتعديل، ويُنصح بالرجوع إلى النص النظامي النافذ أو التواصل معنا لبحث حالتك تحديدًا.

لديك حالة مشابهة؟

احجز استشارة لبحث موقفك القانوني بدقّة قبل اتخاذ أي خطوة.

احجز استشارة