منازعات المقاولات

غرامات التأخير في عقود المقاولات: متى تُطبَّق ومتى يخفّضها القاضي؟

بقلم عبدالله الرحيميسبتمبر ٢٠٢٦قراءة ٧ دقائق

لا يكاد يخلو عقد مقاولة من بند غرامة التأخير: نسبة يومية أو أسبوعية من قيمة العقد تُحسم من مستحقّات المقاول عن كل فترة تأخير، بحدٍّ أقصى غالبًا. وهذا البند — على بساطته الظاهرة — من أكثر البنود إثارةً للنزاع، لأنّ تطبيقه يتوقّف على أسئلة لا يجيب عنها العقد وحده: من تسبّب في التأخير؟ وهل تحقّق ضرر؟ وهل الغرامة متناسبة معه؟

أولًا: الطبيعة القانونية للغرامة

غرامة التأخير في العقود الخاصة هي في حقيقتها شرط جزائي: تقدير اتفاقي مسبق للتعويض عن الإخلال بالمدة. ويترتّب على هذا التكييف نتيجة مهمة: أنّها تخضع للقواعد العامة للشرط الجزائي في نظام المعاملات المدنية، وأهمّها أنّ التعويض الاتفاقي لا يُستحق إذا أثبت المدين أنّ الدائن لم يلحقه ضرر، وأنّ للقاضي أن يخفّضه إذا كان مبالغًا فيه أو نُفّذ الالتزام في جزء منه، وأنّ كل اتفاق على خلاف ذلك باطل.

أمّا في عقود الجهات الحكومية فالوضع مختلف؛ إذ تُنظّم غرامات التأخير بنصوص نظام المنافسات والمشتريات الحكومية ولائحته التنفيذية، بحدود قصوى محدّدة نظامًا، وتُوقَّع بقرار من الجهة يمكن التظلّم منه أمام المحكمة الإدارية.

ثانيًا: شروط استحقاق الغرامة

  1. وجود مدة محدّدة واضحة: لا غرامة بلا مدة؛ فإذا كانت المدة مبهمة أو لم يُحدَّد تاريخ بدء واضح (كتاريخ تسليم الموقع)، تعذّر تطبيق الغرامة.
  2. تأخّر فعلي منسوب إلى المقاول: الغرامة لا تُطبَّق عن الفترة التي تسبّب فيها المالك بالتأخير أو كانت راجعة إلى قوة قاهرة.
  3. الإعذار حيث يلزم: ما لم ينصّ العقد على استحقاق الغرامة بمجرّد انقضاء المدة، قد يتطلّب الأمر إنذارًا للمقاول.
  4. ألّا يكون المالك قد تنازل عنها صراحةً أو ضمنًا: كأن يُصرف المستخلص الختامي كاملًا دون تحفّظ.

ثالثًا: متى يخفّض القاضي الغرامة أو يُسقطها؟

١. انتفاء الضرر أو ضآلته

إذا أثبت المقاول أنّ المالك لم يتضرّر من التأخير — كأن يكون المشروع ذاته متوقّفًا عن التشغيل لأسباب أخرى، أو أنّ المالك لم يكن مستعدًا لاستلامه أصلًا — فللقاضي إسقاط الغرامة أو تخفيضها إلى ما يوازي الضرر الفعلي.

٢. المبالغة في التقدير

إذا كانت الغرامة اليومية مرتفعة على نحو لا يتناسب مع قيمة العقد أو مع الضرر المحتمل، فللقاضي تخفيضها. وتنظر المحاكم عمليًا إلى الحد الأقصى المتّفق عليه، وإلى نسبة الغرامة إلى قيمة الأعمال المتأخّرة لا إلى قيمة العقد كله.

٣. التنفيذ الجزئي

إذا سلّم المقاول أجزاءً من المشروع في مواعيدها وانتفع بها المالك، فالغرامة تُحتسب — في الاتجاه الغالب — على الجزء المتأخّر فقط، لا على القيمة الإجمالية.

٤. التأخير المشترك

وهي الحالة الأكثر شيوعًا: كلا الطرفين ساهم في التأخير. وهنا تعتمد المحكمة على الخبرة الهندسية لتوزيع فترات التأخير بين الطرفين، وتُطبَّق الغرامة على ما يخصّ المقاول منها فقط. والمقاول الذي وثّق أسباب التأخير الخارجة عن إرادته أولًا بأول، وطلب تمديد المدة كتابةً في حينه، يكون في موقف أقوى بكثير من الذي أثار كل ذلك بعد المطالبة.

ملاحظة مهمة: إثبات انتفاء الضرر أو المبالغة في الغرامة يقع على المقاول. أمّا المالك فيكفيه إثبات التأخير ونصّ العقد؛ فلا يُشترط عليه إثبات الضرر ابتداءً.

رابعًا: الغرامة والتعويض — هل يجتمعان؟

الأصل أنّ الشرط الجزائي يُغني عن إثبات الضرر ويكون هو التعويض، فلا يجوز للمالك أن يجمع بين الغرامة وتعويض إضافي عن التأخير نفسه إلا إذا أثبت أنّ المقاول ارتكب غشًّا أو خطأً جسيمًا، أو كان الضرر ناتجًا عن إخلال آخر غير التأخير. كما أنّ استقطاع الغرامة لا يُسقط حق المالك في المطالبة بإكمال الأعمال أو إصلاح العيوب.

خامسًا: كيف يحمي كل طرف موقفه؟

للمقاول

للمالك

هذا المقال محتوى تعريفي عام لا يُغني عن الاستشارة القانونية المتخصّصة، ولا يُنشئ علاقة مهنية بين القارئ والشركة. الأنظمة ولوائحها قابلة للتعديل، ويُنصح بالرجوع إلى النص النظامي النافذ أو التواصل معنا لبحث حالتك تحديدًا.

لديك حالة مشابهة؟

احجز استشارة لبحث موقفك القانوني بدقّة قبل اتخاذ أي خطوة.

احجز استشارة